كشف الكاتب ديفيد كيرك باتريك في تقرير له بصحيفة «نيويورك تايمز» عما قال: “إنه تحالف سري بين مصر و”إسرائيل”، يمنح الأخيرة صلاحيات شن ضربات جوية ضد العناصر المشتبه فيها داخل سيناء”.

وقال باتريك: «إن مصر تبدو عاجزة عن ردع الجهاديين في سيناء بعد أن تسبب اللاحقون في قتل المئات من العناصر الأمنية، وسيطروا على عدة مواقع في شبه الجزيرة، وأقدموا على إسقاط طائرة ركاب روسية في أكبر عملياتهم النوعية».

أثار الأمر قلق تل أبيب فبادرت بالتحرك فخلال عامين – يشير باتريك – شنت إسرائيل أكثر من 100 ضربة جوية داخل مصر بموافقة الرئيس السيسي. وهذا يشكل مستوى جديداً من التعاون يبلغ مرحلة التحالف ضد عدو مشترك، في أعقاب عقود طويلة من العداء تخللتها ثلاث حروب.

ويؤكد باتريك أن التدخل الإسرائيلي ساعد مصر على استعادة السيطرة على سيناء بعد خمس سنوات من الحرب الطاحنة ضد الجهاديين، وقد عزز ذلك من الأمن على الحدود بين البلدين.

يؤكد هذا التعاون على حقيقة بدء عملية إعادة تشكيل هادئة لسياسة المنطقة. لقد دفع أعداء مشتركون، مثل “داعش” وإيران والإسلام السياسي، العديد من الدول العربية إلى الانفتاح سراً على “إسرائيل” – على الرغم من استمرار مسؤوليهم ووسائل الإعلام الإخبارية في انتقادها علناً.

يقول مسؤولون أمريكيون: «إن التدخل الإسرائيلي لعب دوراً حاسماً في تمكين الجيش المصري من التفوق على المسلحين. لكن الدور الإسرائيلي يتسبب في تعقيدات للمنطقة، بما في ذلك مفاوضات السلام في الشرق الأوسط، وذلك من خلال إقناع كبار المسؤولين الإسرائيليين بأن مصر الآن تعتمد عليهم في السيطرة على أراضيها».

ينقل باتريك عن سبعة مسؤولين بريطانيين وأمريكيين سابقين عملوا في الشرق الأوسط وصفهم الهجمات الإسرائيلية داخل مصر، وكلهم يتحدثون بشرط عدم الكشف عن هويتهم، ورفض المتحدثان باسم الجيش الاسرائيلي والمصري التعليق على ذلك، وكذا المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية.

أخفت الدولتان دور تل أبيب في الضربات الجوية خوفاً من غضبة شعبية داخل مصر، حيث يواصل المسؤولون الحكوميون، ووسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة، تصوير “إسرائيل” كعدو، ويزعمون دعمهم للقضية الفلسطينية.

وتستخدم “إسرائيل” في ضرباتها الجوية داخل مصر طائرات مسيرة لا تحمل أية علامات – يكشف باتريك – ويؤكد بعض المسؤولين الأمريكيين أن تلك الطائرات تسلك مسارات سريعة تجعلها تبدو وكأنها انطلقت من داخل مصر، ولأنه يحظر في “إسرائيل” نشر أي تقارير عن الغارات الجوية؛ فليس من الواضح ما إذا جرى الدفع بقوات إسرائيلية داخل الحدود المصرية.

وأشار المسؤولون الأمريكيون إلى أن الرئيس السيسي لم يطلع أحداً على الأمر، باستثناء دائرة محدودة من الضباط العسكريين والاستخباراتيين، كانت الحكومة المصرية قد أعلنت أن شمال سيناء منطقة عسكرية مغلقة، ومنعت الصحافيين من دخولها.

منذ توقيع «كامب ديفيد» منذ 40 عاماً في عام 1978 – يضيف باتريك – تطورت العلاقات الأمنية بين مصر و”إسرائيل”، فقد ساعدت قوات الأمن المصرية “إسرائيل” على فرض قيود على تدفق البضائع من وإلى قطاع غزة، الذي تسيطر عليه حركة «حماس». وتتبادل أجهزة الاستخبارات المصرية والإسرائيلية معلومات عن المسلحين على جانبي الحدود.

شعرت “إسرائيل” بالقلق في عام 2012 عندما انتخب عضو جماعة «الإخوان المسلمين» محمد مرسي رئيساً، بالرغم من تعهده باحترام اتفاقات كامب ديفيد، لكن الإسرائيليين كانوا يخشون الارتباط الفكري بين الإخوان المسلمين وحماس، وعدائهما التاريخي للدولة اليهودية نفسها.

ثم أطاح السيسي بمرسي عبر انقلاب عسكري بعدها بعام – يقول باتريك – فهللت “إسرائيل” لما حدث، وحثت واشنطن على دعم السيس،. وقد عزز ذلك الشراكة بين الجنرالات على جانبي الحدود.

أصبحت منطقة شمال سيناء، وهي منطقة جبلية على الحدود بين قناة السويس والحدود الإسرائيلية، ملاذاً للمسلحين الإسلاميين منذ تولي السيد السيسي السلطة بسبب ضعف السيطرة الأمنية. كانت إسرائيل هي الهدف الأوحد لهم، ولكن بعد سيطرة السيسي غيرت تلك الجماعات بوصلتها ووجهتها نحو قوى الأمن المصرية.

بعد أسابيع قليلة من تولي السيسي السلطة – يواصل باتريك حديثه – قُتل خمسة مسلحين في شمال سيناء في منطقة ليست بعيدة عن الحدود الإسرائيلية، وذكرت وكالة «أسوشييتد برس» أن مسؤولين مصريين قالوا: «إن طائرات إسرائيلية بدون طيار أطلقت صواريخ قتلت المسلحين بعد تحذيرات مصرية من هجوم محتمل على مطار إسرائيلي».

لكن المتحدث العسكري آنذاك، العقيد أحمد علي، نفى ذلك، وقال في بيان له: «إن الحديث عن وجود هجمات إسرائيلية داخل الأراضي المصرية عارٍ عن الصحة، وإن ادعاءات التنسيق بين الجانبين المصري والإسرائيلي في هذه المسألة تخالف الحقيقة، وتعارض المنطق».

خلال العامين التاليين – ينوه باتريك – قتل الجهاديون المئات من عناصر الأمن في سيناء، وبدا أن السيسي عاجز عن القضاء عليهم. وفي أواخر 2014 أعلنت جماعة أنصار بيت المقدس مبايعتها «تنظيم الدولة الإسلامية». وفي 1 يوليو (تموز) من عام 2015 استولى المسلحون لفترة وجيزة على مدينة الشيخ زويد شمال سيناء، ولم يتراجعوا إلا بعد قيام الطائرات المصرية بقصف البلدة.

ثم، في أكتوبر (تشرين الأول) من نفس العام، أسقط المسلحون طائرة ركاب روسية؛ مما أسفر عن مقتل 224 شخصاً، وقال المسؤولون الأمريكيون إنه في أعقاب إسقاط الطائرة، بدأت “إسرائيل” موجة من الغارات الجوية، التي يؤكدون أنها قضت على قائمة طويلة من المسلحين.

ويبدو أن التعاون قد آتى أكله – يشير باتريك – إذ لم يعد المسلحون يتجرأون على محاولة إغلاق الطرق، أو إقامة نقاط تفتيش، لكنهم في المقابل انتقلوا إلى أهداف مدنية، مثل المسيحيين في سيناء، والكنائس في وادي النيل، أو غير ذلك من المسلمين الذين يعتبرونهم مرتدين، ففي نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2017، قتل المسلحون 311 من المصلين في مسجد صوفي بشمال سيناء.

يقول المسؤولون الأمريكيون: إ«ن الإسرائيليين اشتكوا لواشنطن من أن المصريين لم يقوموا بما عليهم، إذ إن القاهرة لم تتبع الغارات الجوية بتحركات منسقة لقواتها البرية».

وعلى الرغم من الرقابة العسكرية الإسرائيلية المشددة، إلا أن بعض وكالات الأنباء نقلت عن تقرير لـ«بلومبرج نيوز» لعام 2016، ذكر فيه مسؤول إسرائيلي سابق لم يذكر اسمه أن “إسرائيل” تشن ضربات جوية بطائرات بدون طيار داخل مصر.

يؤكد زاك جولد – باحث متخصص في شمال سيناء عمل في “إسرائيل” – أن تل أبيب تتعامل مع الغارات الجوية داخل مصر على أنها سر عسكري نووي، فإذا أثار أي صحافي الحديث عن البرنامج النووي، فيتعين عليه أن يضيف «وفقًا للصحافة الأجنبية». تولي إسرائيل اهتماماً بالغاً بالأمن في مصر، وتعتقد أن الحديث علناً عن ذلك سيهدد الاستقرار.

على الجانب الآخر، يتم الحديث علناً عن الضربات الجوية الإسرائيلية داخل مصر في أروقة المؤسسات السياسية الأمريكية لا سيما الكونجرس، فقد أكد المشرعون في جلسات استماع مفتوحة على الموافقة على التعاون المصري الإسرائيلي الوثيق في شمال سيناء.

وفى مقابلة هاتفية مع «النيويورك تايمز»، رفض السيناتور بنيامين كاردين، من ميريلاند، مناقشة تفاصيل العمليات العسكرية الإسرائيلية في مصر، بيد أنه قال: “إن إسرائيل لا تتصرف بدافع حسن الجوار، ولا تريد أن ينتقل الصراع من سيناء المصرية إليها، وأن الجهود المصرية لإخفاء دور إسرائيل ليست ظاهرة جديدة”.

يشعر بعض مؤيدي “إسرائيل” داخل أمريكا بالغضب من «النفاق المصري» – يوضح باتريك – فبينما تعتمد مصر على الطائرات الإسرائيلية في إلجام الجهاديين، تنبري وسائل الإعلام المصرية، الخاضعة لسيطرة الدولة، لمهاجمة الدولة العبرية، وكذلك يفعل الدبلوماسيون المصريون في المحافل الدولية، وقال النائب إيليوت ل. أنجل، من «الحزب الديموقراطي»: «عندما تتحدث مع السيسي تجده يحدثك عن التعاون الأمني مع إسرائيل، وعندما تتحدث مع الإسرائيليين يحدثونك عن التعاون الأمني مع مصر، ثم تراهم في العلن يفعلون العكس. الأمر محير للغاية».

وقد شدد رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو للأمريكيين على التعاون الأمني بين القاهرة وتل أبيب، وفي فبراير (شباط) من عام 2016، عقد وزير الخارجية، جون كيري، قمة سرية في العقبة بالأردن مع السيسي والعاهل الأردني الملك عبد الله ونتنياهو، وفقاً لما ذكره ثلاثة مسؤولين أمريكيين شاركوا في المحادثات.

اقترح السيد كيري في القمة اتفاقاً إقليمياً تضمن فيه مصر والأردن أمن “إسرائيل” كجزء من صفقة لدولة فلسطينية، وهو ما قوبل بسخرية من “نتنياهو” إذ قال: “إن الجيش الإسرائيلي يدعم بالفعل الجيش المصري وإذا كانت مصر عاجزة عن السيطرة على الأرض داخل حدودها، فكيف لها أن تضمن أمن إسرائيل”!.

رابط مختصر : https://alhadathps.com/dupJp

اترك الرد

أرجو كتاية تعليقك
الرجاء كتابة الاسم هنا