أصبحت العمليات فلسطينية أكثر تأثيراً في منظومة الأمن الإسرائيلية، وكان آخرها عملية أمس في “بركان”، المُقامة على أراضي سلفيت.
حيث باتت الحالة الفلسطينية في الضفة الغربية، من الصعب علاجها أمنياً من وجهة النظر الإسرائيلية، فقد باتت “إسرائيل” تواجه حالة أمنية غريبة، ليس بالإمكان مواجهتها اجرائياً، وإن كان الحدّ منها، أمرٌ قد نجحت به تل أبيب.
صعوبة مواجهة العمليات في الضفة الغربية، رغم فارق الإمكانات المهول بين دولة مدججة بالسلاح، وشعب أعزل، تكمن في:
أولاً: عدم وجود تنظيم للعمليات، أو تنظيمات تقف وراءها، الأمر الذي جعل القرار الفردي هو سيد الموقف في هذه الحالة، بمعنى أنّ تتبع هذا القرار ليس من السهل، فقد يكون قرار التنفيذ، وليد اللحظة، الذي يُنتجها تهيؤ الظرف والمكان المناسب.
ثانياً: الحالة في الضفة الغربية، وإن كان هناك محاولات لتصويرها على غير ماهيتها، هي حالة ترى تاريخياً في المقاومة، الحلّ الأمثل لمواجهة الاحتلال، وقد أكدت يديعوت احرونوت في احدى اصداراتها، بأنّ الشعب الفلسطيني، يرى بالمقاومة سبيل الخلاص الأمثل من الاحتلال.
ثالثاً: حالة الفكر المُقاوم، والتي قد تكون ليست علنية كما هو الحال عليه في غزة، تدفع باتجاه صعوبة من يتبنى ذلك الفكر، الأمر الذي جعل إمكانية ملاحقة كل من يحمله أمراً صعباً.
رابعاً: غالبية من يقوم بتنفيذ العمليات هم من الشبان صغار السن، واللذين في غالبهم ليس له سوابق أمنية من وجهة نظر الاحتلال، الأمر الذي حوّل كل هذه الفئة، لمُقاوم محتمل.
خامساً: غالبية من نفذ العمليات، هم خارج الحسابات التقليدية للشاباك الإسرائيلي، والذي رجّح أنّ الجيل الفلسطيني الحالي، بعيد عن همومه الوطنية، ومعتقداته الدينية، لكن ثبت أنّ البعد في الشكل والاهتمام، ليس دليلاً على البعد عن تحمّل الهمّ العام.
سادساً: الجيل الحالي بات أكثر شجاعة ممن سبقه من الأجيال، فقد عاش في عصر تلقي جيش الاحتلال لهزائم، أو على الأقل عدم تحقيق نصر، فبات أكثر قدرة على اتخاذ زمام المبادرة، دون الحاجة لمظلة تنظيمية، وإن كان جزء منهم ينتمي فكرياً، لتيارات بعينها.
هذه النقاط الست، هي جزء من معادلة تغيّرت في الضفة الغربية، وإن كان الاحتلال يُدرك صعوبة القضاء على هذه الظاهرة، بل ويرجح تمددها كما توقع عاموس يدلين، رئيس معهد دراسات الأمن القومي، فإنّ الاحتلال في ذات الوقت، هو من قرع الباب، فما عليه سوى انتظار الجواب، فالاحتلال الذي يجثم على الأرض الفلسطينية، وخلال العقد الأخير فقط، أوصل كافة الفضاءات الفلسطينية، إلى أفقٍ مسدود.
فعلى المستوى السياسي، والذي آمن به شريحة من الشعب الفلسطيني، قتلت “إسرائيل” مشروعاً، لم يكن للفلسطيني فيه، سوى استعادة جزءٍ من أرضه، فأوصلت جيلاً كاملاً ممّن آمن بالمشروع السياسي، إلى قناعة راسخة، بأنّ تل أبيب، لن تُعطي الفلسطيني شيئاً، بل وباتت تعمل على قضم ما تبقى من أرضه، ليُطرح التساؤل المستمر مؤخراً، ألم يكن حالنا قبل التسوية السلمية أفضل.
وإذا ما أضيف إلى ذلك الواقع الاقتصادي، فإنّ الاحتلال عمل على تضييق خناق لقمة العيش على الفلسطيني، فاستباح أرضه، وحرم الفلاح من زراعتها وكسب قوت يومه، فبات صاحب الأرض يعيش على فتات المحتل، يغلق عليه متى يشاء، ويفتح بالقليل متى شاء أيضاً.
“إسرائيل” والتي تجثم محتلةً، أرض شعب أهزل في الضفة الغربية والداخل المحتل، تُحاول تناسي أنّ الوضع الطبيعي للقابع تحت الاحتلال، أن يُقارع احتلاله، وأن يعمل ما طال الزمن على استرداد أرضه، ونيل حريته وكرامته، إلّا أنّ حكومة تل أبيب، باتت بسياساتها على الأرض، الموّلد الحقيقي لحراك الشعب الفلسطيني، الذي وإن هدأ في أحيان، فإنّ تقديرات الأمن الإسرائيلي، تؤكد عودته ولو بعد حين.
“إسرائيل” تقرع طبول الحرب بشكل مستمر، تضيق الخناق، تقطع الارزاق، تصادر الأرض، تُعاق شعباً كاملاً في غزة، ومن ثمّ تعود على نفس أساليب العقاب الجماعي، التي تزيد الطين بلّة بالنسبة لها وفق تقديرات تقاريرها، التي تؤكد أنّ كثيراً من العمليات، والردود الفلسطينية، ما هي إلّا إجابات، لسياسات تل أبيب على الأرض.

اترك الرد

أرجو كتاية تعليقك
الرجاء كتابة الاسم هنا