تشعر إدارة الرئيس “دونالد ترامب” أنها على وشك خسارة الحرب في سورية، وانتفاء أسباب وجود قواتها وتحالفها الذي شكلته من أكثر من ستين دولة، بسبب انكماش “الدولة الإسلامية” وقرب خسارتها لعاصمتها العراقية (الموصل)، والسورية (الرقة)..
ولهذا تريد الانتقال إلى افتعال معارك مع الحكومة السورية، وخلق ذرائع جديدة لاستمرار الحرب لأطول فترة ممكنة.
منذ يومين وهذه الإدارة تقرع طبول الحرب مجدداً، وتدعي أن النظام السوري يستعد لشن هجوم كيميائي انطلاقاً من قاعدة “الشعيرات” الجوية القريبة من حمص، وقال “شون سبايسر” الناطق باسم البيت الأبيض: “إن المخابرات الأمريكية رصدت تحركات أقدم عليها الجيش السوري في هذا الإطار”.
وحذر “سبايسر” بأنه إذا شن الرئيس بشار الأسد هجوماً كيميائياً فسيدفع وجيشه ثمناً باهظاً، ولا نعرف ما هو هذا الثمن، ولكن بالقياس لما حدث في نيسان (ابريل) الماضي، فإنه من غير المستبعد أن “تفبرك” الولايات المتحدة وحلفاؤها في سورية حادثاً كيماوياً وتطلق صواريخ توماهوك لضرب أهداف عسكرية سورية، والانتقال إلى المرحلة الثانية من الحرب، أي مرحلة تغيير النظام، الأمر الذي قد يؤدي إلى حرب عالمية لأن الروس لن يستمروا في ضبط النفس وتحمل الإهانات.

التحرشات الأمريكية بالقوات السورية في منطقة التنف الحدودية الأردنية العراقية السورية، وإسقاط طائرة حربية فوق مدينة الرقة لم تفلح في جر السلطات السورية أو حلفائها الروس إلى مواجهة عسكرية تشعل فتيل حرب موسعة، لوعي الجانبين بهذا المخطط الأمريكي، ولذلك قرر البيت الأبيض العودة الى ذريعة الأسلحة الكيماوية مجدداً، واللافت أن فرنسا وبريطانيا أيدتا هذا التحرك فوراً، والتنسيق مع البيت الأبيض تجاهه، ودعم أي تحرك عسكري.
الإدارة الأمريكية لا تشعر بالارتياح للتقدم الكبير الذي حققه الجيش الحكومي السوري في حلب وحمص وحماة، وريف دمشق وفتح الحدود السورية العراقية في الشرق لأول مرة منذ ثلاثة أعوام، واستعادة العديد من آبار النفط والغاز التي كانت تحت سيطرة “الدولة الاسلامية” في دير الزور، ولهذا تريد تفجير الموقف مجدداً في سورية لأنها لا تريد لهذه الحرب أن تتوقف بأي شكل من الأشكال.
الكاتب الأمريكي الشهير “سيمون هيرش” المعروف بدقة معلوماته، ومصادره الوثيقة في أوساط كبار الجنرالات العسكريين ورجال الحكم في البيت الأبيض ووزارتي الخارجية والدفاع، كشف في مقال خطير نشره في صحيفة “دي فيليت” الألمانية يوم أمس أن الاستخبارات الامريكية اكدت للرئيس “ترامب” أنها لا تملك أي أدلة على أن الحكومة السورية تقف خلف الهجوم الكيماوي في “خان شيخون” قرب مدينة إدلب في نيسان (ابريل) الماضي.
وأكد الكاتب “هيرش” نقلاً عن مصادر عسكرية أن الرئيس “ترامب” أعطى إذناً بإطلاق 59 صاروخاً على قاعدة “الشعيرات” العسكرية في حمص رغم هذه التحذيرات من أجهزة مخابراته، الأمر الذي أصاب المسؤولين في المؤسسة العسكرية الأمريكية بالأسى الشديد.
مسؤول عسكري كبير قال بالحرف الواحد: “إن ترامب لا يقرأ شيئاً، ولا يملك أي معرفة بالتاريخ، ويميل إلى التصرف بشكل متسرع، ويخلط بين إدارة صفقات تجارية، وبين الأعمال العسكرية، ولا يعلم أن الخسارة في الأولى مالية، أما في الثانية فهي إزهاق أرواح يلحق ضرراً بالأمن الوطني الأمريكي على المدى البعيد”.

التحشيد الإعلامي في الوسائل التقليدية أو على وسائط التواصل الاجتماعي بدأ فعلاً، والصور جاهزة، والمسرح يبدو معداً لمسرحية كيمياوية جديدة، تماماً مثلما حدث في نيسان (ابريل) الماضي، حيث تم تجاهل كل الطلبات الملحة لفتح تحقيق دولي نزيه ومحايد لمعرفة الحقائق حول هجوم خان شيخون، ومعاقبة المتورط العقاب الذي يستحق.
إذا كان الرئيس الأسد وحلفاؤه الروس يحققون تقدماً متسارعاً في ميادين القتال والسياسة معاً، وحلفاؤهم في الخليج الذين يمولون الفصائل المسلحة، منقسمون على أنفسهم، ويقفون على حافة حرب طاحنة بعد الأزمة القطرية، والمعارضة السورية تعيش أسوأ أيامها، فلماذا يقدمون على استخدام أسلحة كيماوية تؤلب عليهم العالم بأسره.
إنه المخطط الأمريكي الذي لا يريد استقراراً في الشرق الأوسط، وتفتيت دوله الواحدة تلو الأخرى، ابتداء من سورية، ومروراً بالعراق، وانتهاء بدول الخليج وإيران أيضاً، ومن المؤلم أن هناك من حكامنا الذين يملكون المال، والكثير منه، ويضعون كل بيضهم في السلة الأمريكية، لعبوا ويلعبون دوراً رئيسياً لتنفيذ هذا المخطط و المؤامرة.
“ترامب” يلعب بالنار الكيماوية ومن المؤكد أنها ستحرق أصابعه، ولكن ضحايا هذا الحريق الحقيقيين هم نحن، أبناء المنطقة التي ستلتهما “المحرقة” الجديدة.

اترك الرد

أرجو كتاية تعليقك
الرجاء كتابة الاسم هنا