منذ اللحظات الأولى بعد وقوع ما سُميت محاولة اغتيال رئيس الحكومة الفلسطينية رامي الحمد الله في غزة؛ عمدت أجهزة السلطة الفلسطينية وحركة فتح إلى توجيه الاتهامات لحركة حماس بتدبير هذه المحاولة الفاشلة أو الضلوع فيها.

وصدرت تلك الاتهامات دون انتظار صدور نتائج التحقيق من الأجهزة الأمنية المختصة في غزة، أو حصول تحقيق فيما جرى من أجهزة رام الله، الأمر الذي يشير إلى تورط ما لهذه السلطة في المحاولة، وذلك ببساطة لكون حماس متضررة من هذه العملية، والمستفيد الوحيد منها هو السلطة التي لا تريد المصالحة وتسعى لتخريبها!!

إلا أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس أصر على إلصاق تهمة محاولة الاغتيال بحماس، وشن هجوما لاذعا عليها في اجتماع اللجنة التنفيذية الأخير، معتبرا أنها لا تسعى للمصالحة بل وتعمل على التعاون لتطبيق “صفقة القرن” في غزة، وفق دور قال إنه يتناقض مع الأهداف الوطنية!!

تبرير تعطيل المصالحة
ومن ضمن الاتهامات الجزافية؛ جاء اتهام رسمي من أجهزة أمن السلطة بتورط عضو المكتب السياسي لحماس فتحي حماد فيما يتعلق بتنفيذ محاولة الاغتيال، لكونه هو الذي يسيطر على منطقة شمال قطاع غزة.

وفي وقت لاحق؛ رفض الناطق باسم الأجهزة الأمنية الفلسطينية عدنان الضميري قبول أي تحقيق من حماس، واتهمها بالتقصير في تأمين موكب الحمد الله، مع العلم بأن مسؤولية جميع الوزارات آلت إلى الحكومة الفلسطينية برام الله!!

ولا يحتاج الأمر إلى جهد كبير لتوجيه الاتهام إلى السلطة بتدبير مخطط الاغتيال ومحاولة إلصاقه بحماس، وذلك لتبرير موقف السلطة المعطِّل للمصالحة، ولمطالبة حماس بتسليم سلاح المقاومة كشرط لإتمامها، وهو شرط تعجيزي ويستدعي التسليم للعدو وتجريد الفلسطينيين من سلاحهم في مواجهة العدوان الإسرائيلي!

ويريد عباس وحكومته تقديم هذا المطلب إلى “إسرائيل” وأميركا دون أن يحصلوا على مقابل، اللهم إلا تثبيت عباس في السلطة وعدم تجاوزه في أي ترتيبات سياسية قادمة.

ويتزامن ذلك مع الحصار المالي والاقتصادي الذي يمارسه الرئيس الفلسطيني بحق أبناء غزة لتعزيز موقعه، ولدفع الأمور نحو المواجهة بغزة بين حماس وإسرائيل عبر تضييق الخيارات أمام أهل غزة.

فقد أعلن عباس اتخاذ سلسلة من العقوبات الاقتصادية والقانونية والوطنية بحق غزة، من أجل ما أسماها “المحافظة على المشروع الوطني في ظل رفض حركة حماس إنهاء الانقسام”.

ويبدو أن عباس قطع الطريق على إتمام المصالحة التي ترعاها مصر، معتقدا أنه بهذا الإجراء يمنع مخططا إقليميا ودوليا تشارك فيه مصر و”إسرائيل” لاستبعاده، واستبداله بشخصية أخرى ربما تكون محمد دحلان.

كما أنه بات يروج أن حماس متساوقة مع “صفقة القرن” باعتبار أن الدولة المستقلة ستضم غزة، إضافة إلى أجزاء من سيناء لتوطين اللاجئين.

مع العلم بأن عباس لم يتخذ إجراءً جديا واضحا لمواجهة الصفقة، واستمر في مراهنته على التسوية بدعوته إلى الرعاية الدولية لأي اتفاق يتم التوصل إليه، ويتبعه تطبيع العلاقات بين العرب و”إسرائيل”.

ومن الأمور الأخرى التي تدل على عدم جدية عباس في المصالحة؛ تجاهلُ إشراك حركة حماس في اجتماعات المجلس الوطني بعقدها في رام الله وليس الخارج، كما تم الاتفاق عليه في اجتماعات اللجنة التحضيرية للمجلس الوطني في بيروت العام الماضي.

ويريد عباس أن يعقد مجلسا ينال به الشرعية مجدَّدا دون تشويش من حماس، ودون أن يضطر إلى إدماجها في المنظمة ولاحقا في اللجنة التنفيذية، ولا أن يفتح بابا لمعارضتها داخل المنظمة يُعلي من شأنها في القرار الفلسطيني، ويؤدي إلى تعقيدات في القرار الفلسطيني الذي يريده المحيط العربي والدولي ملتزما بعملية السلام وليس خارجا عنها.

وتشكل حماس حجر الرحى في المعارضة الفلسطينية، ولكن هناك فيتو مصري وعربي على مشاركتها في المؤسسات الرسمية الفلسطينية، رغم رعاية مصر للحوار الوطني الفلسطيني والحوارات المتعددة بين أجهزة المخابرات المصرية وحماس.

الوحدة بديل للمصالحة
ويأتي انعقاد هذا المجلس في ظروف عصيبة تمر بها القضية، في ضوء وجود مخطط الرئيس الأميركي دونالد ترمب القاضي بجعل القدس عاصمة للكيان، ضمن مخطط أكبر لإنهاء القضية بتوطين اللاجئين في الأردن وسيناء.

ورغم ذلك؛ فإن القيادة الفلسطينية لا تفكر في جمع الكل الفلسطيني في بوتقة واحدة لمواجهة هذا المخطط الخطير، ولا تزال تعمل على ذلك وحدها ولا ترغب في مشاركة أحد لها، أو في استغلال المقاومة الفلسطينية في التصدي لمخطط ترمب.

ويستدعي هذا السلوكُ الغريبُ التوقفَ عنده طالما أنه لا يُجدي في مواجهة التحدي الكبير بالمنطقة. ويدل هذا على عدم الجدية في مواجهة المخطط إلا بقدر ما يحفظ وجود القيادة الفلسطينية ويمنع استبدالها بقيادة أخرى فقط، مع العلم بأنه لا يمكن تفكيك أو تجزئة مخطط الاستهداف الذي يشمل القضية وقيادتها.

إن سلوك عباس -الذي كشفه بالكامل في خطابه الأخير باجتماع اللجنة التنفيذية- لا يتماشى مع المخطط الكبير الجاري تنفيذه في المنطقة، والذي يؤدي إلى تطبيع العلاقات العربية مع إسرائيل، وتوجيه الجهود لمحاربة إيران ومحاصرة تركيا. بل للأسف يحاصر عباس شعبه في غزة ثم يتباكى عليه وعلى المشروع الوطني الذي لم يفصح لنا عن ماهيته.

مع العلم بأن المشروع الوطني الفلسطيني يقوم على ثوابت محددة ليس منها محاربة شعب بأكمله وتقديمه لقمة سائغة للعدو، ومعاونة هذا العدو على حصاره ومحاولة إخضاعه؛ فبهذا يفقد عباس أهليته للقيادة وهو ما يستدعي مجهودا وطنيا للبحث عن بديل له، وبالتأكيد لن يكون دحلان أو أمثاله.

كل ما سبق يشير إلى فشل ذريع للمنظمة في مواجهة التحديات، ويدفع للاعتقاد بأن مصلحة الشعب الفلسطيني تستدعي البحث عن خيارات بديلة للمصالحة التي فشلت بسبب تعنت عباس، والمسار الأهم هنا هو التركيز على جبهة وطنية موَّحدة، تعيد الاعتبار للمقاومة وتستدعي كل قوى المقاومة للاندماج فيها بمن فيهم المخلصون من فتح.

ويتطلب هذا دعوة كل فصائل العمل الفلسطيني للاتفاق على إستراتيجية موحدة لمواجهة الاحتلال، والتمسك بالأهداف الوطنية للشعب الفلسطيني؛ بما فيها حق تقرير المصير وحق عودة اللاجئين والدولة المستقلة.

ويقف على رأس هذه الأولويات التمسك بحق المقاومة لاستعادة الحقوق المستباحة، والتحلل من التنسيق الأمني مع الاحتلال.

وإذا لم يكن ذلك ممكنا من خلال السلطة الحالية فلا بأس أن يكون بتشكيل وطني لا ينافس السلطة ولا يتصادم معها، ويعمل على إدماجها في البرنامج حتى ولو تطلب ذلك منها التحلل من السلطة، ورمي كرة إدارة الأمور في الضفة وغزة في حضن المحتلّين الإسرائيليين.

لا يبدو أن هناك مستقبلا لقضية الشعب الفلسطيني إلا بذلك، وعبر استدعاء المحيط العربي والإسلامي وتحصيل الدعم الدولي لذلك. أما استمرار السعي خلف التسوية وخلف عباس -الذي فقد صوابه- فقد ثبت أنه ليس سوى سراب وفخٍّ للفلسطينيين سينتهي بتجريدهم من حقوقهم.

اترك الرد

أرجو كتاية تعليقك
الرجاء كتابة الاسم هنا